من نحن            برید الی الأمام             الأرشیف
ضربة جزاء
  الكتلة التاريخية وعقدة يونس

قاسم علي فنجان

شكلت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بأوروبا 1929 - 1933 أوضاعا مأساوية مؤلمة ليس بالنسبة لأوروبا فحسب بل للعالم اجمع, أزمة كادت أن تطيح بالنظام الرأسمالي وتغيره, انبثقت عن هذه الأزمة ونتيجة لها أنظمة وحكومات استبدادية ودكتاتورية تمثلت بصعود مخيف للفاشية في ايطاليا والنازية في ألمانيا, لم تستطع القوى السياسية المعارضة وخاصة اليسارية منفردة أن تواجه هذه الدكتاتوريات, فبدأت ببلورة أفكارا وروئً لإدامة النضال ضد هذه الدول الاستبدادية والحكومات البوليسية, وكان من أهمها ما طرحه المفكر الايطالي "انطونيوكرامشي" واسماه (الكتلة التاريخية) وهي حشد اكبر عدد من القوى الوطنية والنقابية والثقافية لمواجهة الفاشية.

نقل المفكر "محمد عابد الجابري" مقولة (الكتلة التاريخية) إلى العالم العربي في ثمانينات القرن الماضي، بعد أن أحس أن القوى السياسية التي تحكم الدول العربية فشلت في تحقيق أوضاع اقتصادية واجتماعية مستقرة للشعوب العربية, طبعا آلت جميع تجارب (الكتلة التاريخية) إلى الفشل ولم تحقق نتائج على الصعيد الميداني وبقيت فقط للتنظير الفكري والاستعراض الثقافي.

في عراق اليوم المبنية حكومته ودستوره وقوانينه على قوى الإسلام السياسي ومجموعة القوميين الشوفينيين, عراق اليوم الذي تحكمه المليشيات والعشائر وقوى الظلام والبربرية, يظهر لنا منقذ جديد بطرح قديم مع لفيف من المثقفين الذين بدءوا يروجون لمقولة (الكتلة التاريخية) والتي يعتبرونها الحل للمشكلة العويصة والمعقدة التي تواجه المجتمع, المنقذ ومن خلفه مرجعياته السياسية والليبراليين وبعض من عطاري الفكر الذين يحلمون بعد -شرب البيرة-بعراق موحد يعمه الخير ويسوده السلام قدموا مشروعهم الفذ (الكتلة التاريخية), ومن المعروف لأي مراقب للمشهد السياسي أن مشاريع القوى "المدنية واللبرالية" كثيرة أخرها مشروع "تجريم الطائفية" الذي نادت به الكتلة"المدنية" داخل مجلس النواب, والذي لم يجد له أي أذن صاغية, فأعضاء المجلس يعرفون أكثر من مدني- ينا أنهم جاءوا إلى البرلمان على أساس طائفي وقومي فكيف يروجون لتجريم أنفسهم, أن "المدنيون" داخل مجلس النواب وخارجه أكثر مدعاة للشفقة.

وفي العودة إلى كرامشي وكتلته التاريخية ففيها الكثير من المفاهيم التي يجب أن تتطابق مع المؤسسين والمنضوين تحت هذه الكتلة, وقد يكون أهمها صراع الإرادات, والدور الذي يلعبه المثقف العضوي كما أطلق عليه كرامشي هذه التسمية, بدءا ليس لدينا تصور كيف سيكون شكل الصراع داخل هذه الكتلة، في حال صار لديها وضع ما داخل العملية السياسية -مع أن هذا حلم بعيد المنال- ونقول داخل العملية السياسية لأنهم لا يستطيعون الخروج أو طرح فكرة إزالة هذه العملية البغيضة والتي هي السبب الرئيسي في ما نحن فيه من بؤس, واستحالة الخروج منها هو لأن أحد المنضوين تحتها -التيار الرئيسي فيها- واحد من أقطاب هذه العملية السياسية, وهو أيضا أكثر القوى رجعيةً وظلامية في تعريفات التيار المدني نفسه, ثم ما هو دور المثقف العضوي داخل هذه الكتلة -سنتكلم عن دور المثقف من جهة التيار المدني فنحن لا نعرف مثقفين من الجانب الآخر- فدوره ينحصر في تنمية القوة الأكثر تقدمية داخل الكتلة, لكننا لا نعرف كيف سيكون ذلك, هل يستطيع هذا المثقف أن يكتب ويدافع عن الحريات العامة, أو هل سيكتب ويدافع عن تحرر المرأة, أو هل سيسمح له بالمناداة بدولة علمانية تفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم -طبعا أذا افترضنا أنه يؤمن بذلك-، وكيف ستكون المفارقة أذا صادف أن احد المثقفين المدنيين يجلس في نادي ترفيهي يمارس حريته الشخصية -ونحن دائما نجدهم هناك-، ويدخل عليه مسلحون ينتمون لنفس "الكتلة التاريخية" وينهالوا عليه بالضرب والشتم -وهم دائما يفعلون ذلك-، فماذا سيكون موقف "الكتلة التاريخية" وقيادتها, ألا أذا كانوا قد اتفقوا على الخطوط الرئيسية من البداية.

أن هذه العقلية البائسة في أنتاج الحلول السياسية هي التي لا تستطيع أن تتعلم أن لا فائدة من تحالفات ومعاهدات ومساومات مع قوى تنشر الجهل والتخلف والظلام داخل المجتمع, قوى تتسابق في سلب الإنسان كل شي بدءا من حياته, أن المسألة الأكثر أهمية تنحصر الآن في معرفة ما أذا كانت هذه القوى"المدنية" قد تعلمت شيئا أم لا خلال هذه السنين من التجارب المريرة مع هذه الكتل السياسية من الإسلاميين والقوميين, وعليها تكوين عقل تاريخي ولا تبقى فأر تجارب.

لكن قد يبحث من فكر بتشكيل "الكتلة التاريخية" بالحنين والعودة إلى "الرحم", فالأسطورة القديمة تتحدث عن ابتلاع الحوت ليونس بعد أن فشل في المهمة الملقاة على عاتقه من هداية المجتمع الذي عاش فيه في رمزية تحمل معها الحنين للرحم والذي يشكل ملجأ آمن, فبطن الحوت -الرحم- يرمز للامان من الأخطار, ولكنه أيضا يمثل المدفن والمخبأ والاحتواء, فرجالات "الكتلة التاريخية" اللذين بعضهم خرج من رحم أحزاب دينية فلم يشعروا بالأمان -بعد هذا الخروج- أو أنهم أحسوا أنهم اغتصبوا على وجه ما في داخليتهم، فبدءوا يبحثون عن ملجأ آمن لهم, فبيت السيد في مخيلة الموروث الشعبي "الفلكلور" -الذين هم غارقون فيه- يمثل مكان مقدس يستطيعوا أن يشعروا فيه بالطمأنينة وهو بالتالي مدفن لهم، ويستطيع هذا البيت ايضا أن يحتويهم. من جانب أخر شكلت رؤية صورة رجالات "الكتلة التاريخية"مع قائدهم الجديد ما نستطيع أن نسميه مع المحلل النفسي "اوتو رانك" بـ(صدمة الولادة) فالبدائي يصدمه منظر الولادة فيهرب بشكل تلقائي من عالم خطر ومهول وعدواني إلى الاختباء في البديل الآخر لبطن إلام "الكهف"، فالجمهور الآخر من المثقفين صدم بهذه الولادة فأصيب بالإحباط وبدأ ينزوي باحثا عن مدفن له, أن عقدة يونس تصيب المثقفين وهي ماثلة وحاضرة حتى في التفكير السياسي لجمهور "النخبة", أن "الكتلة التاريخية" هي (بقعة سوداء وهي كافية عندما نتأملها بإمعان لأن تغرقنا في محيط من الظلمات) باشلار .

  05/11/2015
  2047
المزید ...
باسل مهدي العبادي لم يكن ذكيا بما فيه الكفاية حين قرر زيارة موقع مجزرة الكرادة، فهو جاء الى مكان الأنفجار بعد ايام من أعلانه "النصر والتحرير" في مجازر الفلوجة، وكانت هذه المرة هي الأولى التي يقوم فيها بزيارة... ...  التفاصيل
13/07/2016
قاسم علي فنجان يذهب بعض علماء الاجتماع إلى إن أي مجتمع لا يمكن أن يظهر إلى حيز الوجود ويستمر في البقاء، دون أن يتفادى أو يتجنب مجموعة من الظروف التي قد يمر بها والتي ايضاً قد تؤدي إلى هلاكه أو زواله, من هذه ... ...  التفاصيل
28/01/2016
فارس محمود في هجمة جديدة أخرى على حقوق العمال والموظفين والمتقاعدين، قام برلمان السلب والنهب، برلمان الاستهتار بكل القيم والاشياء والمباديء الإنسانية البسيطة بمد اليد على رواتب ومعاشات اكثر فئات المجتمع فقرا... ...  التفاصيل
24/12/2015
فارس محمود في الثلاثاء المنصرم (17 تشرين الثاني-نوفمبر)، قامت القوات القمعية للسلطة الطائفية بمهاجمة واعتقال عدد من ناشطي الحركة الاحتجاجية في بغداد حين كانوا في وقفة احتجاجية امام المنطقة الخضراء. وقد اطلق ... ...  التفاصيل
26/11/2015
فارس محمود السلطة المليشياتية الحاكمة في العراق ماضية وبقوة لا لأسلمة المجتمع فحسب، بل اطيفته - جعله وتحويله طائفياً)، ماضية نحو تشييعه بالقوة السافرة او المبطنة، بالسلاح او بالتضييق والترهيب والمداهنة الاجت... ...  التفاصيل
18/11/2015
فارس محمود في الوقت الذي كانت الجماهير تهتف "باسم الدين.. باكونا الحرامية (سرقونا اللصوص باللهجة العراقية)" و"سبحة (مسبحة) وكصة مجوية (جبين تم احراقه كدلالة على كثرة الصلاة وملامسة الجبين لـ"تربة" الصلاة عند... ...  التفاصيل
29/10/2015
باسل مهدي هيئة النزاهة مؤسسة أنشأت لمحاربة الفساد في الدولة ولها رئيس ونواب ومدراء وموظفين بدرجات عليا وموظفين بدرجات دنيا وفروع في كل وزارات ومؤسسات وداوئر الدولة.. بينما الفساد ليس له هيئة وليس له رئيس ونو... ...  التفاصيل
21/10/2015
فارس محمود بوجه موضوعة وظاهرة اللجوء، تثار، تعسفاً وبدون أي منطق او حكمة، مسالة "وجوب البقاء والدفاع عن المقدسات" كما لو ان ليس للمرء حياة، ليس لديه غد ومستقبل ينبغي التفكير فيه، ليس هناك أطفال بحيث ينبغي تا... ...  التفاصيل
14/10/2015
فارس محمود مع تعاظم موجة الهجرة من العراق في الأشهر الأخيرة، شهدنا حملة منظمة وشرسة من قبل جماعات واوساط إسلامية وطائفية تندد بابشع الاشكال واقذرها بهذه الهجرة، لم تبقي أسلوب مبتذل لم تسلكه، وكلمات بشعة لم ت... ...  التفاصيل
08/10/2015
فارس محمود تتصاعد اعمال القمع المنظم بحق المحتجين في ساحة التحرير وبقية الساحات في مدن العراق باشكال وأساليب وطرق مختلفة. فمن الاستفراد بالناشطين في هذه الحركات، الى ارسال رسائل التهديد بحقهم وبحق عوائلهم، و... ...  التفاصيل
23/09/2015
صفحةمن‌ 10
عدد المقالة