من نحن            برید الی الأمام             الأرشیف
کتاب الی الامام
  وجهة نظر عن الاستفتاء واستقلال كردستان
  عواد أحمد

مقدمة

في ظل التجاذبات السياسية والاجواء المشحونة بالعواطف القومية حيث يشهد العراق المراحل الاخيرة من معركة تحرير الموصل، اذ يبدو الوضع السياسي متسما بكثير من الشد والانفعال اعلن السيد مسعود البرزاني عن اجراء استفتاء حول استقلال اقليم كردستان في 25 ايلول من العام الحالي، ثم اعلان دولة كردستان في مرحلة او مراحل لاحقة.. في مثل هذه الاوضاع المتوترة فان الكتابة حول هذه القضية تحتمل كثير من الصعوبات وسوء الفهم نظرا للتباين الشديد بين من يؤيد الاستفتاء وبين من يعارضه.. ولكي لا يكون المرء في موضع نقد مغرض واتهام باطل من قبل القوميين المتعصبين الكرد والعرب على حد سواء عليه ان يتناول المسالة من كافة جوانبها السياسية  والاجتماعية.

زوال الاضطهاد والظلم القومي الواقع على الكرد

لقد تعرض الاكراد للاضطهاد والتنكيل من اغلب الحكومات البرجوازية والقومية التي حكمت العراق، بسبب نزوعهم القومي ورغبتهم في التحرر وانشاء دولة مستقلة عن العراق ابان الحقب السابقة، واقسى ما تعرض له الشعب الكردي هي الابادة الجماعية والضرب بالسلاح الكيمياوي في حملة الانفال السيئة الصيت على عهد نظام البعث الفاشي، وكذلك النزوح والتهجير والقمع الذي رافق تلك الحملة، مما كان سببا هاما في تاجيج الكره وتصعيد المشاعر القومية المتعصبة،  انما بعد عام 1992 تغيرت الاوضاع بعد انسحاب نظام صدام من كردستان. وسيطرة الاحزاب القومية الكردية في اربيل والسليمانية على مقاليد السلطة في الاقليم بما يشبه الاستقلال عن الحكومة المركزية في بغداد. وكان ذلك يشكل مرحلة البداية لزوال الاضطهاد القومي عن الكرد

لقد كانت مرحلة 1992 – 2003، مرحلة حافلة بالصراع بين الحزبين الرئيسيين في كردستان وصلت الى مستوى العنف الدموي والحرب الاهلية والتصفيات في الصراع على السلطة، دفعت الجماهير الكردية ثمنا باهضا من حياتها وامنها ومعيشتها.. وقد اسفر ذلك الصراع عن اقامة ادارتين في اربيل والسليمانية ادت الى تكريس سيطرة الحزبين على السلطة، يقول الرفيق رزكار عقراوي "مارس الحزبان الحاكمان والأحزاب الذيلية المرتبطة بهم الفساد المنظم بشكل كبير جدا منذ بداية استلامهم للسلطة في إقليم كردستان، وتم نهب مؤسسات الدولة والمال العام بشكل علني وفج، وتحول قادة الحزبين والمرتبطين بهم إلى طبقة من البرجوازية الطفيلية، التي تحت ذريعة –نضالهم! والشرعية الثورية والقومية-، سخروا معظم ما هو موجود من ممتلكات الدولة وعوائدها لمصالحهم الحزبية والشخصية والعشائرية وبمسميات مختلفة، وازداد غناهما بشكل مفرط بعد سقوط النظام الدكتاتوري" (رزكار عقراوي: نحو مقاطعة الاستفتاء... حول استقلال إقليم كردستان العراق! ) مقال منشور في موقع الحوار المتمدن.

وبعد احتلال العراق عام 2003 دخلت الاحزاب القومية الكردية شريكا كاملا فيما يسمى العملية السياسية، التي اقامها الاحتلال على اساس التقسيم الطائفي والعرقي والقومي للبشر في العراق. وتحالفوا مع قوى الاسلام السياسي الشيعي وساهموا بكتابة دستور العراق الجديد على اساس حكم المكونات والمحاصصة.. واليوم فان للقوى الكردستانية نوابا في البرلمان العراقي يبلغ عددهم 65 نائبا حسب اخر انتخابات جرت من اصل 328 نائبا، موزعين على المكونات الاخرى وفقا لنظام المحاصصة الطائفية والقومية، كما منح لهم المنصب السيادي وهو رئاسة الجمهورية تعاقب عليه في دورتين انتخابيتين جلال الطلباني وفؤاد معصوم الرئيس الحالي، كما ان احد نواب رئيس البرلمان من اصل ثلاث كرديا...

ان اقليم كردستان هو في حالة وضع شبه مستقل منذ العام 1992 تعزز هذا الوضع بشكل اقوى واكثر استقلالية بعد عام 2003 وحتى يومنا هذا.. ومن نافل القول ان الشعب في كردستان تخلص بشكل نهائي من الاضطهاد والظلم القومي، وكما يقول الرفيق شمال على في تعليق في الفيسبوك "والظلم القومي في كردستان الان يمارس ضد غير الكرد ولا يوجد اي ظلم قومي تجاه الكرد"، واضيف الى ذلك عندما حدثت هجرة المواطنين العرب من المحافظات التي احتلتها داعش في عام 2014 محافظات صلاح الدين والموصل والانبار الى السليمانية واربيل، مارس بعض المواطنين الاكراد والجهات الامنية اقسى درجات الاحتقار والاذلال تجاه المهاجرين العرب، ورفعوا شعارات مثل "اخرجوا من كردستان ايها العرب" و"العرب داعش.. العرب فايروسات.. والعرب وسخ... الخ"... وغيرها مما لايمكن ذكره هنا. وكاتب المقال شاهد على هذا.

الازمة السياسية والاجتماعية في الاقليم وقضية الاستفتاء

الازمة السياسية والاجتماعية في الاقليم ظاهرة قائمة يتحدث عنها جميع الكتاب الموضوعيين والمحايدين، ويمكن معاينتها في الشارع الكردستاني بشكل مباشر وهي تتمثل في فساد الحزبين الرئيسين ونهب المال العام والاثراء على حساب الجماهير الكادحة، تحول قادة الاحزاب والحكام واتباعهم الى طبقة برجوازية طفيلية تستأثر بالمال والامتيازات لها ولحاشيتها، ممارسة اساليب القمع ضد الحريات الفردية والمدنية وقتل الصحفيين وقطع رواتب الموظفين  وانتشار الفقر الشيد والركود الاقتصادي وانعدام فرص العمل.. ان الوضع الاقتصادي للاقليم يشهد ركودا شديدا بعد انحسار موجة الاعمار وتحديث البنية التحتية والاسواق والحدائق التي اقيمت في السنوات السابقة.

ومن الناحية السياسية هناك ازمة حكم تتمثل في انتهاء ولاية مسعود البرزاني في رئاسة الاقليم منذ سنتين، وبرلمان معطل صراع سياسي حاد بين مختلف الاحزاب الكردية وسيادة الاجواء غير الديمقراطية في التعامل السياسي بين تلك الاحزاب، اضافة الى ذلك شيوع اجواء الريبة وعدم الثقة بين حكومة الاقليم وحكومة المركز في بغداد، بحجة قطع المبالغ المخصصة للاقليم التي تشكل 17 بالمئة من ميزانية العراق وصلت في بعض الاحيان الى 21 بالمئة من الميزانية.

في مثل هذه الاوضاع المعقدة دعى مسعود البرزاني رئيس الاقليم الى اقامة استفتاء من اجل الاستقلال في 25 ايلول المقبل، كانما يريد بذلك القفز فوق الازمة الاجتماعية والسياسية التي يشهدها الاقليم بطريقة الهروب الى الامام.. في ظل صراع سياسي محتدم ورغم معارضة جهات ودول عديدة على الاستفتاء.. انه يريد وكما هو واضح ان يكسب ورقة الاستفتاء لصالحه ولصالح حزبه وليس مهما اذا كان سيتحقق الاستقلال عقب الاستفتاء او لا يتحقق.. يقول الرفيق سامان كريم "نحن امام حركة سياسية كبيرة يقودها بارزاني لتتويج ذاته كقائد للحركة التحريرية القومية الكردية!! حتى اذا لم يكن فيها اية تحرر, واخفاء كل التاريخ الماضي للحزب الديمقراطي الكردستاني وتصوير نفسه وذاته وحزبه كمحررين للهوية القومية الكردية على الاقل في صفوف الحركة القومية الكردية" .(سامان كريم: وسقط سر إستفتاء البرزاني – مقال منشور في موقع الحوار المتمدن).

ومن الواضح ان الاستفتاء اذا ماتم  في ظل ظروف ووقت غير مناسب  واجواء متوترة  وفي ظل معارضة الامم المتحدة لن يكسب الشرعية القانونية والسياسية المطلوبة.

ان للاستفتاء دلالة واضحة وبالغة هي عدم قناعة الاحزاب القومية الكردية بموضوع الشراكة السياسية مع الاطراف الحاكمة في بغداد، وعدم قناعتهم بجميع الحقوق والامتيازات التي حصلوا عليها، وان عقدة الاضطهاد والشعور القومي مازلت حالة قائمة في ذهنية القادة الاكراد. ان قضية القومية الكردية وبعد مشاركة الاحزاب الكردستانية في السلطة في بغداد وتحالفها مع الاسلام السياسي الشيعي، تحولت الى مجرد مسالة سياسية تتمثل في رغبة القيادات الكردية في الاستقلال واعلان الدولة عن طريق الاستفتاء.. رغم مشاركتهم الكبيرة والمؤثرة فيما يسمى العراق الفيدرالي الديمقراطي كما اقره الدستور.

الماركسية وحق تقرير المصير والاستفتاء

من الناحية المبدأية يقر الماركسيون بدون ادنى ريب بحق الامم والشعوب المضطهدة في تقرير المصير، الذي لا يمكن ان يعني كما قال لينين سوى المصير السياسي بما في ذلك حق الانفصال وتكوين دولة. ان دراسة اي مسألة قومية يحب ان تاخذ بالحسبان الظروف العينية الملموسة والواقعية، فما هو مبدأي بوجه عام قد لا ينطبق او لا يمكن تطبيقه في وضع خاص دوما.

في حالة كردستان العراق لم يعد هناك ظلم قومي كما اوضحنا والاكراد شركاء في الحكم في بغداد والقضية القومية الكردية فقدت خصوصيتها، عندما لايكون هناك استعباد واضطهاد قومي معنى ذلك ان الجماهير في كردستان قد تحررت من نير اظهاد سلطة القومية الكبيرة العرب. وان قواها السياسية الاحزاب القومية البرجوازية والعشائرية هي التي تملك زمام السلطة والحكم باسم الشعب الكردي، وهي مسؤولة عن الحقوق والموارد وتبيع النفط المهرب وتكنز الاموال لصالحها.

ان التناقض الرئيسي اليوم ليس مع سلطة القومية الاكبر العربية بل التناقض والصراع هو بين جماهير كردستان الكادحة والمحرومة وبين الطبقة الحاكمة في اربيل والسليمانية، الاحزاب الحاكمة وخاصة البارتي يريدون حرف انظار الجماهير في كردستان عن قضياها الاساسية: صرف الرواتب، توفير فرص العمل، محاربة الفساد، توفير الخدمات الاجتماعية والصحية، واعادتها الى دائرة الصراع القومي التي ولى زمانها.

ومع ذلك اذا كان ولا بد من استقتاء يقرر مصير كردستان فيجب ان يتم في ظل رغبة وارادة  جماهيرية واسعة وفي اجواء ديمقراطية حقة، وفي ظل نظام ديمقراطي تعددي خال من الفساد ناتج عن رغبة وارادة الجماهير ووفقا لمعايير دولية شفافة وباشرف الامم المتحدة. ان مشروع الاستفتاء الحالي مطروح من قبل سلطة فاقدة للشرعية ومنتهية الصلاحية بهدف الكسب السياسي، وتعزيز مكانتها السياسية القومية وسلطتها الدكتاتورية على حساب حياة ومعيشة جماهير كردستان .

ان الوضع السياسي الحالي وصيغة الفيدرالية في كردستان شبيه بالدولة المستقلة او الدولة داخل دولة، وان حكومة كردستان تتمتع بكافة صلاحيات حكومة مستقلة فيما يتعلق بالاقتصاد والسياسة والقانون والتربية والتعليم والقضاء، ولديها قوة عسكرية ولا دخل لحكومة المركز في كل ذلك.

ومن الجدير بالذكر ان الاستفتاء ومطلب استقلال كردستان ياتي في سياق مرحلة تاريخية من الاحداث والحروب الارهابية الرجعية الشرسة، الهادفة الى تفتيت الشعوب وتمزيقها وتقسيمها بهدف تكريس الهيمنة الصهيواميركية في الشرق الاوسط، واعادة اقتسام مناطق النفوذ بين الدول الكبرى. ان الاستفتاء على الاستقلال في الظرف الدولي الراهن سيكون مرهون بالصراعات الدولية والاقليمية، وربما يعيد انتاج العداء القومي والصراع اذا لم يتم وفقا لاتفاق مع الحكومة المركزية والاطراف الاقليمية والدولية، تحل بموجبه القضية بطريقة سياسية سلمية وبضمانات دولية .

ومن وجهة نظر مصالح النضال الطبقي العمالي والاشتراكي ونحن في القرن 21 لم يعد للنزعة القومية والاستقلال القومي اي بعد تحرري وتقدمي، فهي تسهم في تجزئة وتفتيت النضال الطبقي العمالي والاشتراكي الذي يهدف الى تحقيق بديل ونظام اشتراكي يلغي الهوية القومية ويستعيض عنها بالوحدة الاممية للشعوب، ومن الناحية التاريخية فقد ولى عصر الحركات القومية الهادفة الى توحيد السوق القومي وتحقيق "الديمقراطية وسيادة الامة" في عصرالعولمة النيوليبرالية المتوحشة والتبعية، التي تكيف اقتصاديات دول المحيط "المستقلة " في خدمة مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية.

موقف الشيوعيين من الاستفتاء واستقلال كرستان

بعد زوال الاضطهاد والظلم القومي عن الشعب الكردي منذ عام 1992 وحتى اليوم، تحولت المسالة القومية الكردية من مسالة اجتماعية سياسية الى مسالة سياسية فقط تتمثل في رغبة الاحزاب القومية الكردية البارتي والاتحاد وحركة كوران في الاستقلال، وتكوين دولة مستقلة ذات افق وطابع قومي يضمن ويعزز مصالح تلك الاحزاب في اطار نظام سياسي برجوازي مرتبط بالسياسة النيوليبرالية، ومتحالف مع دول رجعية في المنطقة، لذلك على الشيوعيين في العراق وكردستان ان يوضحوا ان موقفهم من الاستفتاء يرتكز الى الاسس التالية:

1-    يجب على الشيوعيين عدم الانجرار وراء اجندة وسياسات البرجوازية القومية الرجعية واحزابها في كردستان، وعدم اعطاء تفويض مطلق لاحزاب البرجوازية وتحديدا للبارتي للتحكم بمصير الجماهير وايقاعها في مغامرات غير محسوبة. باسم القومية والاستقلال القومي.

2-    كما ان عليهم ان يبينوا ان تاييدهم لحق تقرير المصير والانفصال يكون على اساس استفتاء محايد وشفاف ونزيه من قبل سلطة ديمقراطية، وباشراف  الامم المتحدة وهيئات دولية محايدة.

3-    ان الماركسيين هم دعاة وحدة البروليتاريا (الطبقة العاملة) غير المقيدة بأي شرط قومي او ديني او أي شرط آخر جغرافي!! من جميع الامم ناهيك عن تلك الوحدة الأوثق ضمن الوطن الواحد المتعدد الهويات القومية.

4-    ان الأستقلال القومي سواء في كردستان او غيرها ليس مرتبطا بالضرورة بالمصالح الطبقية لنضال البروليتاريا، بل على العكس انه قد يؤدي الى الاضرار بتلك المصالح وتشرذمها.

5-    ان الشيوعيين يدعون ويناضلون من اجل المساواة التامة في الحقوق بين القوميات، وان قيام دولة مستقلة في كردستان يجب ان يضمن صيانة حقوق "الاقليات" او القوميات الصغيرة في اطار دولة ديمقراطية علمانية وغير قومية.

6-    في ظل الصراعات والحروب الارهابية والرجعية الشرسة لا يمكن التنبؤ بطبيعة النظام السياسي المقبل في كردستان المستقلة، الذي سيخضع بالضرورة لنمط الليبرالية الجديدة وتاثير تركيا ودول الجوار الرجعية الاخرى، وسيكون قناة لتصريف بضائعها وسياساتها الاقتصادية ومشاريع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مما سيؤثر سلبا على نمط حياة ومعيشة الجماهير العمالية والكادحة في كردستان ويوسع هوة التمايز الطبقي.

7-    من الناحية السياسية ليس هناك اي ضمانات كون النظام السياسي المقبل في كردستان المستقلة سيكون نظاما ديمقراطيا شفافا، يضمن حقوق ومكانة جميع القوى السياسية ويضمن الحريات الفردية والمدنية على ضوء تجارب القمع والاضطهاد التي مارستها القوى السياسية الحاكمة، والتي تقود اليوم مشروع الاستفتاء على الاستقلال.

واخيرا ان قضية الاستفتاء والاستقلال في المرحلة الحالية هي قضية حق يراد بها باطل.. مع ذلك لتنتنهي هذ القضية العقدية التي صدعت رؤوسنا بها منذ اكثر من ثلاثة ارباع القرن، ونتمنى ان يكون المستفيد الاول من الاستقلال هي الجماهير الكادحة والمحرومة في كردستان بعيد عن مزايدات القوميين والشوفينيين.

  14/08/2017
  365
المزید ...
  قاسم علي فنجان
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  قاسم علي فنجان
  عادل أحمد
صفحةمن‌ 4
عدد المقالة