من نحن            برید الی الأمام             الأرشیف
کتاب الی الامام
  منع البوركيني بين القانوني والسياسي!
  عادل أحمد

تتناول المجتمع الفرنسي مسالة منع البوركيني (زي السباحة الاسلامي للنساء) في هذه الايام بين الرفض والقبول، وتتناقلت وسائل الاعلام اراء ومناقشات مختلفة حول هذا الموضوع. ان اثارة هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات والذي يشتد فيه الصراع بين الغرب والاسلام السياسي.. الوقت الذي بلغ فيه الارهاب ذروته في جميع مناطق العالم، هو للتضليل الى حد ما على الجماهير في الشرق وفي الغرب على حد سواء. قبل كل شيء ان مناقشة هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات لا يتعلق بحقوق المرأة ومسألة حرية الملبس ولا  بين التخلف والحضارة والعلمانية بتاتا. وان هذه المسألة لا تربط حتى بمسألة عدم اندماج المسلمين بالمجتمعات في الغرب ومحاولة حل هذه المشكلة من زاوية معينة والحد من انتشار الارهاب. ان هذه المسألة ليست حقوقية بقدر ما هي سياسية تخص مرحلة معينة في حياة البرجوازية العالمية وصراعاتها وتناقضاتها.

لم يكن الغرب في اي يوم معارضا للمماراسات والقوانين الاسلامية لحلفائه في الشرق ولم يدين في يوما القوانين التعسفية بحق الجماهير، وخاصة الممارسات والقوانين الاسلامية بالضد من المراة وبالضد من حقوقها. ليس هذا وحسب وانما كان للغرب حصة الاسد في تاسيس منظمات اسلامية مختلفة تنتهك كل يوم حقوق الانسان وخاصة المراة في المجتمعات التي سميت بالاسلامية. ان المشاركة بتأسيس الدولة الوهابية السعودية وحلفائها في باكستان وبنغكلادش، وتأسيس الجمهورية الاسلامية في ايران والدعم المادي والمعنوي للمجاهدين الافغان (حكمتيار وشاه مسعود) بالضد من الأتحاد السوفيتي السابق، ومن ثم الطالبان في افغانستان وباكستان، ودعم الأسلام السياسي في العراق ومحاولة تغير نظام الاسد بحلفاء الغرب الاسلاميين من امثال النصرة والقاعدة، ودعم الاسلاميين في بناء المساجد والمنظمات الخيرية في الدول الغربية،...والخ. اي ان الغرب لم يتوقف يوما عن دعم االحكومات الاسلامية امثال السعودية وتعاونه العسكري والاقتصادي والسياسي معها.

واليوم عندما تصدر قوانين لمنع البوركيني في الشواطيء الفرنسية ليس من باب الحفاظ على علمانية الدولة الفرنسية كما يدعي اصحاب هذه القوانين، وليس من باب اغتنام الفرصة لاندماج المرأة المسلمة بالمجتمع الفرنسي، وانما جاءت بعد اشتداد صراع الغرب مع كلبهم المسعور اي الاسلام السياسي والذي نشأ وترعرع في احضان الغرب بعد أن انقلبت مصالحه مع الغرب. ومن هنا يأتي الغرب بعقاب لضحايا هذا الكلب المسعور وليس الكلب نفسه.. لان عقاب الكلب المسعور يؤدي الى منع اسباب نشوئه ومصادر تمويله اي قطع العلاقة مع السعودية وايران واللتان هما مصدر الارهاب الاسلامي في العالم.

ان تجريم لبس البوركيني على الشواطي الفرنسية يشبه تجريم بيع الجسد وليس اسبابه او تجريم تناول المخدرات وليس تجارتها. اي يتعامل مع الضحايا وليس مع اسباب النشوء. المعروف للجميع لم يكن البوركيني او اللباس الاسلامي سائدا في الغرب ولا في المجتمعات الشرقية الا بعد ظهور تيارات الأسلام السياسي وظهور الدولة الاسلامية في السعودية من قبل الغرب نفسه في بدايات القرن العشرين. وان الغرب حتى هذه اللحظة يتجنب أنتقاده للقوانين والتقاليد الاسلامية خوفا من فقدان مصالحه في الشرق. أن هذه المسألة لا تتعلق بحريات ولا بحقوق المرأة. ان من حق اي شخص ان يرتدي الملبس الذي يريده، هذا من الف باء الحرية ولكن لان الاسلام السياسي وجرائمه تفوق العقل البشري، فأن الرموز الاسلامية بكل انواعها ومن ضمنها البرقع والبوركيني اصبحت محل نقد لاستعباد المرأة  وخضوعها. ولكن النقد حتى الان طال الناس الابرياء والبسطاء وليس التجار أنفسهم، ان تجار هذه القضية هم اصحاب المشروع السياسي للاسلام ومكانته لجمع الارباح والرأسمال من هذا المشروع. ان الدين الاسلامي مثل بقية الاديان له فوائده السياسية في العالم الرأسمالي لامتصاص دماء العمال والكادحين، وابقائهم اكثر فقرا واكثر تحملا للمشقات والالام من جراء النظام الرأسمالي.

لقد وقع العديد من الجماهير تحت تأثير خطاب البرجوازية واعلامها بأن مصدر الارهاب الاسلامي يأتي من الناس البسطاء والذين يعتنقون الافكار الاسلامية، ولكن لا يرون كيف ومتى صاروا ارهابيين وما هي الاسباب والدوافع لقيامهم بهذا؟ انهم من كثرة أخضرار الغابات لا يرون الاشجار هذه هي المصيبة، ان الاعلام البرجوازي يحقق مع الضحايا وليس مع المشكلة نفسها. عندما اصبح تناول الماريجوانا قانونيا في هولندا فأن ظاهرة تناول الماريجوانا بدأت بالانخفاض وكذلك نفس الشيء مع ظاهرة الدعارة وفي اي مكان تكون فيه الدعارة قانونية تنحفض نسبة العاملين فيها، لان في كلتا الحالتين تم تجريم التجار والوسطاء والسماسرة من ان تلعب دورها، والأمر اصبح شأن الافراد انفسهم وهذا يمكن السيطرة عليه بتنظيمه في السياق الاجتماعي. والحال نفسه مع الملابس الاسلامية، عندما يمنع تدخل الاسلام في شؤن الافراد وخصوصياتهم وتمنع الجمعيات والمدارس الاسلامية من غسل ادمغة الاطفال وتمنع الممارسات الأسلامية المتخلفة، وان ينشر الوعي الثقافي والحضاري وتوفير مستوى معاشي مناسب للجميع، ستختفي تدريجيا ظاهرة الحجاب والبرقع والبوركيني ليس في الغرب وحسب وانما في عالم مايسمى بالاسلامي ايضا، كما رأينا في مجتمعات الاربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في الشرق الاوسط وشرق اسيا. ولكن اذا لم تقضي على مصدر هذه الظواهر فأن منعها يقع في خانة خروقات الحريات الفردية وانتهاك الحقوق.

اذن المشكلة هي في التعامل مع اصل القضية وليس القضية نفسها. ان تناول قضية منع البوركيني بعيد عن تناول التعامل مع الاسلام السياسي هي قضية مظللة وتفتقد الى الحل الواقعي لهذه الظاهرة, وان التعامل مع الارهاب الاسلامي لا يمكن النظر اليه بعيدا عن الارهاب السعودي والايراني. وان القضاء على الارهاب يتم عن طريق القضاء على مصادر تمويله. وان خلاص المرأة من عبودية البوركيني والبرقع يتم عن طريق القضاء على التمايز بين اجناس البشر بسبب الدين واللون والعرق.. وهذا يمكن تحقيقه بتوسيع الحريات السياسية والفردية وان يكون التعليم والاعلام والقوانين تنظر الى هذه المسألة بعيون انسانية. بالقضاء على الارهاب السعودي والايراني يتم القضاء على تياراته السياسية في المنطقة، وهذا ما يفسح المجال بأن يكون الدين الاسلامي والأديان الأخرى شأن  شخصي للأفراد لاغير..

  29/08/2016
  452
المزید ...
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  قاسم علي فنجان
  عادل أحمد
صفحةمن‌ 4
عدد المقالة