من نحن            برید الی الأمام             الأرشیف
کتاب الی الامام
  ما العمل لوقف نزيف الدم بين قطبي الطائفية والارهاب!
  نادية محمود

ستكون لنا ذاكرة الاسماك ان اعتقدنا ان تفجير الكرادة هو مجرد عمل ارهابي قام به في تاريخ 2 تموز تنظيم داعش، وان "الحكومة" ستتخذ الاجراءات للحيلولة دون وقوعه مرة اخرى باستيراد اجهزة تفتيش افضل وبتغيير وزير الداخلية او تعيين قائد جديد لعمليات بغداد. لا يمكن التعامل مع ما حدث في الكرادة وكأنه عمل ارهابي يحدث في دول مثل فرنسا او بريطانيا، يمكن معالجته ببعض الاجراءات الادارية واستخدام تقنيات اكثر فعالية.

ان ما يجري في العراق ليست اعمالا ارهابية متفرقة، بل هي حرب طائفية. ان ما يجري هو تنفيذ لاستراتيجية سياسية عسكرية اشتغلت ولازالت تشتغل بكامل طاقتها وفعاليتها منذ عام 2003 ولحد الان، كان فاعلها الاول والاساسي هو الاحزاب الشيعية وغطاءها المرجعية الدينية. ولاعبها الاساسي الثاني هو بقايا قيادة حزب البعث والجيش العراق المنحل وقادته الامنيين من جهة ثانية. وكان الضحية الاولى والاخيرة هم مئات الالاف ان لم نقل الملايين من المدنيين الذي راحت حياتهم هدرا في خضم صراع هذين القطبين على السلطة.

ان الاحزاب الشيعية التي تريد "محاربة" الطائفية ، ليس في جعبتها غير مشروع واحد لا غير، الا وهو الطائفية.  قامت على التطهير الطائفي في المناطق السنية، وعلى حشد الاصوات والشباب العاطلين عن العمل في حشدهم في المناطق الشيعية. انها تقوم على تاجيج الروح الطائفية في اعلامها وفي تصريحاتها وفي كل افعالها. ان ماقاله وزير الداخلية مؤخرا بان السيارة المفخخة التي فجرت في الكرادة كانت متوجهة من ديالى، في اشارة الى "سنية" المدينة، لم يقل كلمة عن مئات نقاط التفتيش التي تفصل بين ديالى الى محل جبار ابو الشربت في الكرادة، وهي كلها نقاط تفتيش "شيعية"!

استراتيجية الاحزاب الشيعية قامت على تاسيس دولة طائفية شيعية، مدعومة بتغطية شرعية من المرجعية الدينية الشيعية. حكومة طائفية غير مكترثة بتأسيس دولة للمواطنين العراقيين. ناهيك انها تحمل "السنة" مسؤولية اجرام صدام حسين، وكأن كل سني كان من اتباع نظام صدام حسين. حكومة لا يؤرقها وجود مطالب للمواطنين "الشيعة" فكيف يمكن ان تلتفت الى مطاليب "للسنة"!

هذه الحكومة يتحدث رجالها اكثر من اي امرء اخر في المجتمع عن "عدائهم" للطائفية، (بالقدر نفسه الذي يتحدثون فيه ضد الفساد). وهما زرعا الطائفية في المجتمع بشكل لم يشهده العراق منذ تاسيسه ولحد الان. انهم زرعوا الطائفية في دستورهم، وفي فتاوى مرجعيتهم التي تدعوهم لانتخاب الاحزاب الشيعية. لم يكن المجتمع  في العراق طائفيا، ولكنه اشتغلوا 24 ساعة في اليوم، وسبعة ايام في الاسبوع وعلى امتداد 13 عاما  على تطييفه! وماتفجير الكرادة الا نتاج لتلك الصناعة الطائفية المميتة والقاتلة.

من جهة اخرى لا تنقص" المكون السني" الاهداف والمصالح ذاتها التي تحرك الاحزاب الشيعية. السعي للعودة الى السلطة، واستعادة مواقعه السابقة والسيطرة على ثروات المجتمع التي كانت قد تمتع بالسيطرة عليها لعقود، تدفعه لسحق حياة الالاف دون ان يرف له جفن.

فان وضعت الاحزاب الشيعية عمليا الاجندة الطائفية موضع التنفيذ، فان "المكون السني" يمد ببساطة ايديه الى استخدام اسلوب الارهاب، لفرض شروطه على خصمه. لقد خاض "المكون السني" ومنذ الايام الاولى بعد الحرب وعلى امتداد  ثلاثة عشر عاما، صراعا سياسيا وبرلمانيا وعسكريا مع الاحزاب الشيعية من اجل ان ينال حصة في السلطة. وحين لم ينل ما يريد، لم يتوانى عن تصعيد وتطوير تنظيماته العسكرية الى تشكيل داعش. تنظيم داعش لم ينمو من "القاعدة في بلاد الرافدين" في العراق فقط، بل ولد من قادة الجيش العراقي السابق ورجال حكومته السابقة، وقادته الامنيون الذين ارادوا حصة لهم في السلطة. لم يكن صعبا على الاطلاق بالنسبة لهذه للتنظيمات "السنية" التي ترى ان "الشيعة" "همشتهم" اتباع استراتيجية الارهاب والقتل والذبح والتفخيخ، وهم الذين قاموا بتمارين لذبح النساء في التسعينات والقتل والارهاب على امتداد عقودهم الاربعة المشؤومة.

ان السؤال الذي يبقى مطروح امامنا جميعا هو كيف يمكن الخلاص من حكومة لا هوية لها غير الهوية الطائفية، وكيف يمكن تخليص الجماهير من خطر هذه الحكومة ومشروعها الطائفي الذي حصد ارواح الاطفال والشباب والنساء والشيوخ وعلى امتداد 13 عاما؟. خاصة وان الجماهير كشفتهم، وفضحت طائفيتهم.لقد تصاعدت صيحات غضب الجماهير من "قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية" عام 2008 الى صيحات "والله لو ما المرجعية ما انتخبنا السرسرية" عام 2016، الى صيحات الغضب والاحتجاج ضد "المحاصصة"، الى صيحات انهم لم يعاملوا الموصل كمدينة عراقية لحمايتها من داعش.

الحكومة الشيعية تتمادى في الدفاع عن شيعيتها مستعينة بايران. والطرف السني مدعوم بالسعودية وقطر ينقل ارض المعركة الى داخل مدن العراق بعد اتضاح فشل تاكتيك "دولة الخلافة" لكل العراق. في خضم هذا الصراع  تبدو الكرادة مجرد "مشهد حربي" في مسلسل الحرب الطائفية.

اننا بحاجة الى نجد بديلا سياسيا اخر للدولة في العراق. بديلا يحقن الدماء، بديلا يوفر حياة الناس العزل. يوقف نزيف الدماء المتدفق من اعوام 2006 - 2007، مرورا بجبل سنجار 2014 الى الكرادة 2016. اني أرى اما ان نسعى من اجل تأسيس دولة مدنية غير طائفية في العراق، تحظر فيها كل الاحزاب الشيعية والسنية وميلشياتها المسؤولة عن هذا المسلسل الدامي، والغاء دستورها الطائفي، وتشكيل دولة علمانية في العراق، دافعة بامر الدين الى الميدان الخاص للافراد، ولايذكر حتى في هوية الاحوال المدنية عبر تنظيم قوة سياسية جماهيرية مدنية وعلمانية، او تقسيم العراق. فاذا اصرت الاحزاب الشيعية على طائفيتها، فان بقاء عراق موحد معناه ادامة نزيف الدماء، حيث ان بقاءه بشكله الحالي اصبح امرا مكلف الثمن، كلفته حياة الالاف ومئات الالاف من الابرياء. ان بقاء الاوضاع الحالية على ما هي عليه، يعني ستكون هنالك في كل زاوية وفي كل حي، وكل يوم "كرادة" جديدة!

  13/07/2016
  828
المزید ...
  قاسم علي فنجان
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  قاسم علي فنجان
  عادل أحمد
صفحةمن‌ 4
عدد المقالة