من نحن            برید الی الأمام             الأرشیف
کتاب الی الامام
  خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي: حرية رأس المال وتقييد العمال!!
  نادية محمود

اسفر استفتاء 23 حزيران على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي. ان هذا الاستفتاء لمن الاهمية انه اخرج 72 بالمئة من المجتمع البريطاني الى صناديق التصويت. هذه النسبة فاقت حتى نسبة الانتخابات البرلمانية مما يدلل على ان لمسالة وجود بريطانيا او خروجها من الاتحاد الاوربي اهمية كبرى. من المؤكد انها مهمة لمصالح الرأسمالية، وهو الامر الذي لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد، ولكنها مؤثرة بالنسبة للطبقة العاملة، واللاجئين والشباب، وهو موضوعنا.

أطلق على الاستفتاء بالخروج على انه هزة ارضية في بريطانيا. لقد حدثت استقطابات عابرة للطبقات بل وقسمت الاجيال الى ان تقف ضد بعضها البعض. فاعداد من العمال واللاجئين وكبار السن التفوا حول البرجوازية والرأسمالية البريطانية وتياراتها واحزابها القومية والشوفينية، حول خيار "الخروج" وان كان كل من اجل مصالحه. وفي الجهة المقابلة، تخندقت اطيافا من البرجوازية مع اوساطا من  العمال واللاجئين والشباب حول خيار "البقاء". ان امر كهذا لا يمكن ان يأخذه المرء بخفة وببساطة لما ينطوي عليه من امور تخص حياة ومعيشة الملايين من الناس، ليس بشكل مباشر لهذا الجيل ولهذه الايام فحسب بل للسنوات والعقود القادمة. لقد اثار مباشرة القرار بـ"الخروج" من الاتحاد الاوربي، اجواء من الغضب والشعور بغموض المستقبل والترقب، مضيفا المزيد من القلق فوق ما يشعره الناس اساسا من الخوف وعدم شعور بالامان. واشعل من جديد موجة من الحركات العنصرية التي تطالب اللاجئين بالخروج!

معسكر البرجوازية الداعي للـ(خروج):

حين دخلت بريطانيا عام 1975 السوق الاوربية المشتركة فقد قبلت بشرط حرية حركة الايدي العاملة  مع حرية حركة رأس المال. اي حرية حركة الشركات على اختلافها وحرية التحرك لـ 506 مليون مواطن اوربي من كافة دولة الأتحاد الأوربي. دخلت بريطانيا وهي تتوقع ان تحتل موقعا في الصدارة، باعتبارها تملك خامس اقوى اقتصاد في العالم. الا انها وجدت ان عليها الانصياع الى التشريعات الاوربية فيما يخص حقوق الطبقة العاملة. فقد اصدر الاتحاد الاوربي العديد من القرارات المتعلقة بحقوق العمال والتي الزم الدول الاعضاء بالتقيد بها من قبيل العطل الرسمية، اجازات الولادة، العمال الوقتيين، ضمنت حقوقهم لالتزام الدول الاعضاء بقوانين الاتحاد. ومن جهة اخرى  اغضب البرجوازية البريطانية ان مبيعاتها لا تتمكن من منافسة المنتجين المحليين. فصناعة السيارات البريطانية انحسرت امام منافساتها الاوربيات. وان تجارتها الزراعية مع اوربا اقل ربحا لها لو كانت تستورد من بقية انحاء العالم. وجدت نفسها عاجزة عن التصرف امام الراسمال الصيني، فلم تتمكن من عمل اي شيء تجاه استيراد الحديد من الصين، الامر الذي اثر على ارباحها وعلى عملها. وهي التي قيدت ايديها بان لا تمنع استيراد السلع الصينية، وفق الاتفاقيات الاوربية. اي ان لا تضع حواجزا حمائية. هذا ناهيك عن ان بريطانيا لم تتمكن تاريخيا من الحصول على مؤازرة الاتحاد الاوربي في مساعيها التوسعية. فالاتحاد الاوربي لم يزودهم بالسلاح في حرب فوكلاند، ورفضوا التدخل في الحرب في العراق، فحارب الجيش البريطاني لوحده في البصرة دون عون من الاتحاد الاوربي. 

ان "تقييد" حرية الرأسمال البريطاني ليصول ويجول لوحده في اوربا، امر يؤرق الرسمالية البريطانية، خاصة وان ثلثين تجارتهم مع اوربا. ان الرأسمالية البريطانية تريد كسر قيود الاتحاد الاوربي لينطلق عقالها في العالم. والتحرر من القوانين والتشريعات الاوربية. وهي قد وجدت نفسها "محرومة" من "حرية" السيطرة على التشريع وصناعة السياسات المتعلقة بالعمل خارج حدود وسيطرة الاتحاد الاوربي.  الرأسمال البريطاني لا يريد وسطاء ولا شركاء، انه يريد الذهاب لوحده للتجارة مع العالم. ان الخروج من الاتحاد الاوربي لهو خطوة بصالح الرأسمالية البريطانية، او على الاقل اطيافا منها، تسعى للانطلاق نحو التجارة العالمية وهي التي لها تاريخ بهذا الشأن. انها تطمح الى تبني النموذج الاميركي الذي يجعل الحماية لارباح البزنس فوق اعتبار اية دولة ويضمن ذلك بتشريعات.

فظهر التيار القومي البريطاني وكانه مدافع  عن "برطنة" بريطانيا، معلنا الخروج من الأتحاد الأوربي وكأنه عيد "الاستقلال". ان بريطانيا تريد العودة الى سابق امجادها بكونها دولة امبريالية عالمية لا تخضع الى قيود وتشريعات تحد من حرية حركتها. من هنا ترفع النزعات القومية راسها، للتحدث عن استقلال بريطانيا، وعدم خضوعها الى اية قوة اخرى. انها تريد الانطلاق من سوق اوربي ضيق الى سوق عالمي اوسع. من تقييدات على حرياتها، الى اطلاق ايادي البرجوازية البريطانية في تحديد قوانينها.

أثار الخروج من الاتحاد الاوربي على الطبقة العاملة:

الا انه في الوقت الذي تريد بريطانيا الانتفاع من سياسة حرية حركة رأس المال وتريد تقييد حرية حركة الايدي العاملة. انه هذا اخلال بالاتفاق الاوربي. لا يمكن لبريطانيا نيل حرية حركة راس المال، والامتناع عن قبول حرية أنتقال الايدي العاملة من دول الأتحاد الأوربي الاخرى. ان هذا المسعى لينطوي على تناقض جوهري. وهو يتنافى مع الشرط الاول للسوق الاوربية المشتركة.

ان هذا ادى ويؤدي وسيزيد من حدة النزعات المعادية للعمالة الاجنبية، للمهاجرين واللاجئين. هنالك نصف مليون عامل ينتقل سنويا الى بريطانيا من دول الاتحاد الاوربي. هؤلاء هم ايد عاملة، انهم ليسوا عالة على المجتمع، بل هؤلاء هم من الشباب والخريجين، وذوي المؤهلات فنسبة مشاركتهم في الدخل القومي مسجلة بنسبة 34 بالمئة. ان الخروج من الاتحاد الاوربي يعني انهاء حرية حركة العمال الذين يأتون الى بريطانيا  من اوربا بحثا عن فرص عمل افضل.

ان حرمان عمال اوربا من المجي الى بريطانيا يعني مزيد من الحرمان لهؤلاء العمال بالمقام الاول. حيث انه سيتيح لرأسماليات تلك الدول الى اطلاق يديها في استغلال عمالها، وفرض التراجع عليهم. سيوضع عمال بولونيا ورومانيا ولاتفيا والعديد من الدول الاوربية الاخرى امام خيارين اما القبول بالبطالة، او الرضوخ لشروط اي عمل مهما بخس ثمنه ومهما ساءت اوضاعه. ان حرمان العمال الاوربيين من بيع قوة عملهم، وهي الشيء الوحيد الذي يمتلكوه، في بريطانيا يعني القبول بامعان البرجوازيات الاوربية القومية المحلية باضطهاد العمال في بلدانهم. انها سياسة خنق العمال خلف حدودهم. ان الاتحاد الاوربي وفر فرصة للعمل للعمال، للتنقل، لايجاد افضل فرص لبيع قوة عملهم. انه اثبت ماقاله ماركس، ان لا وطن للعمال. لقد تحرك الرأسمال بحرية، وتحرك العمال بحرية ايضا. الا ان دعاة الخروج، بغض النظر عن مواقعهم الطبقية، يعلنون قبول حرية الرأسمال، وتقييد حرية العامل!  ان هذه خطوة رجعية ومناهضة للعمال، ويجب التصرف والتحرك بشأنها!

لقد عبرت الملايين لحد الان، العمال والشباب، عن سخطها على هذا القرار الذي اتخذه 17 مليون مواطن بريطاني مقابل 16 مليون مواطن اخر معترض على هذه السياسة.

نعم ان الاتحاد الاوربي مؤسسة رأسمالية كما ان بريطانيا هي دولة راسمالية، الا ان "الخروج" لن يؤدي الى خلق ظروف افضل للطبقة العاملة، بل يؤدي الى خلق اسوء الاوضاع. فبمواجهة خندق الطبقة العاملة، يرفع اليمين البريطاني والراسمالية البريطانية مطالبة بـ"الاستقلال"، بـ"السيادة"، بـ"حق صنع القرارات"، والتحرر من "بروكسل"، انما يطالبان في الحقيقة برفع العوائق عن طريقهم من اجل تحقيق المزيد من الارباح، بالبحث في مكان اخر امن للربح، ودون منغصات القوانين والتشريعات العمالية.

ان ايهام الجماهير بان هذه الحركة هي من اجل الاستقلال او اعادة السيطرة على القرار المحلي لهي كذبة. ان هذه السياسة ستؤجج النزعات العنصرية. لقد استعرت المشاعر الشوفينية والقومية المناهضة للمهاجرين واللاجئين والداعية الى البقاء في الاتحاد الاوربي الى حد شهدت به بريطانيا اغتيال سياسي للعضو البرلمانية جو كوكس، على خلفية مناصرتها للاجئين. لايمكن النظر الى اغتيال كوكس بمعزل عن الاجواء التي يرعاها اليمين من الكراهية للاجانب. انها حركة واحدة، وتصعيد خطير لهذه السياسة العدوانية ضد الاجانب.

الا انه من المفارقات ان العمال واللاجئين قد انطلت عليهم كل الخزعبلات العنصرية لليمين البريطاني. من الواضح ان الاسباب التي دعت اطيافا من العمال البريطانيين والاجانب هو الشعور بالخوف على حياتهم، ومعيشتهم، والخوف على فقدان فرص العمل وهي الاوضاع التي يسببها النظام الرأسمالي نفسه. ان اللاجيء الذي جاء بالامس من شرق اسيا او الشرق الاوسط بحثا عن سقف امن، ولقمة عيش،  يقف بالضد من اللاجيء الذي يريد الحصول اليوم على سقف امن وفرصة عمل. انها تزرع روح المنافسة والانانية بل والتخبيل بحيث تمكنت من ان تجعل العمال واللاجئين ينقسمون على ذاتهم، بعضهم ضد بعض.

والاكثر من هذا، ان احتمالية تاثير ما حدث في بريطانيا سينتقل كما "الدومينو" الى بلدان الاتحاد الاوربي الاخرى.حيث بدأ اليمين في اوربا بالدعوة الى الاستفتاء على "الخروج" من الاتحاد الاوربي، كما رأينا في دول المانيا، فرنسا، هولندا، ايطاليا، الدانمارك، اي تفكيك الاتحاد الاوربي. ان حدث هذا الاستفتاء وهذا الخروج ايضا فان ذلك سيؤدي الى هزة ارضية اوربية ايضا كما تحصل الان في بريطانيا .

نحن لسنا من عشاق الاتحاد "الاوربي" ولكننا مع كل اتحاد يساعد على ايجاد ظروف افضل للطبقة العاملة، يساعد على فسح مجال للعامل لان يتحرك بحرية، ان يبيع قوة عمله بقدرة تفاوضية اكثر، ان كان ذلك يتوفر خارج حدود بلده. نحن مع رفع الحدود بين البلدان من اجل ان تتوحد الطبقة العاملة في نضال طبقي واحد. ان ما نسعى اليه هو وحدة الطبقة العاملة وازالة الحدود. ليكون للطبقة العاملة فرصة للتقارب، ليصبح نضالهم نقيا طبقيا ولا تشوبه شوائب وترهات القومية. ان "خروج" بريطانيا من الاتحاد الاوربي هو خطوة رجعية الى الوراء، وان كانت المساعي قد بدأت وخاصة من قبل الشباب والعمال والمناصرين للبقاء في الاتحاد الاوربي من اجل اعادة عقارب الساعة الى ماقبل 23 حزيران، يجب ان نسهم جديا بدفع تلك الجهود الى الامام.

  02/07/2016
  837
المزید ...
  قاسم علي فنجان
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  عبداللـه صالح
  قاسم علي فنجان
  عادل أحمد
صفحةمن‌ 4
عدد المقالة